الغزالي
131
إحياء علوم الدين
من يملك طعام يومه فلا يقنع به . وأما عرضه ففي مقدار الطعام ، وجنسه ، ووقت تناوله أما طوله فلا يقصر إلا بقصر الأمل . وأقل درجات الزهد فيه الاقتصار على قدر دفع الجوع ، عند شدة الجوع وخوف المرض . ومن هذا حاله فإذا استقل بما تناوله لم يدخر من غدائه لعشائه ، وهذه هي الدرجة العليا الدرجة الثانية : أن يدخر لشهر ، أو أربعين يوما الدرجة الثالثة : أن يدخر لسنة فقط . وهذه رتبة ضعفاء الزهاد . ومن ادخر لأكثر من ذلك فتسميته زاهدا محال ، لأن من أمل بقاء أكثر من سنة فهو طويل الأمل جدا ، فلا يتم منه الزهد إلا إذا لم يكن له كسب . ولم يرض لنفسه الأخذ من أيدي الناس ، كداود الطائي ، فإنه ورث عشرين دينارا ، فأمسكها وأنفقها في عشرين سنة . فهذا لا يضاد أصل الزهد إلا عند من جعل التوكل شرط الزهد وأما عرضه فبالإضافة إلى المقدار ، وأقل درجاته في اليوم والليلة نصف رطل ، وأوسطه رطل ، وأعلاه مدّ واحد وهو ما قدره الله تعالى في إطعام المسكين في الكفارة وما وراء ذلك فهو من اتساع البطن والاشتغال به ومن لم يقدر على الاقتصار على مدّ لم يكن له من الزهد في البطن نصيب وأما بالإضافة إلى الجنس فأقله كل ما يقوت ولو الخبز من النخالة ، وأوسطه خبز الشعير والذرة ، وأعلاه خبز البر غير منخول . فإذا ميّز من النخالة وصار حواري فقد دخل في التنعم وخرج عن آخر أبواب الزهد فضلا عن أوائله وأما الأدم فأقله الملح ، أو البقل والخل ، وأوسطه الزيت أو يسير من الأدهان أي دهن كان . وأعلاه اللحم أي لحم كان ، وذلك في الأسبوع مرة أو مرتين . فإن صار دائما ، أو أكثر من مرتين في الأسبوع ، خرج عن آخر أبواب الزهد ، فلم يكن صاحبه زاهدا في البطن أصلا . وأما بالإضافة إلى الوقت ، فأقله في اليوم والليلة مرة ، وهو أن يكون صائما . وأوسطه أن يصوم ويشرب ليلة ولا يأكل ، ويأكل ليلة ولا يشرب . وأعلاه أن ينتهى إلى أن يطوي ثلاثة أيام ، أو أسبوعا وما زاد عليه . وقد ذكرنا طريق تقليل الطعام وكسر شرهه في ربع المهلكات ولينظر إلى أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والصحابة رضوان الله عليهم في كيفية